الجمعة، 8 يونيو 2012

شرِكة وبَنات



(1)
بَناتُ الدهرِ بالعراقِ ذواتُ قُربَى ، بينهنَّ وَشائجُ مَفتولة ، وإنّا لفِي لِهْيانٍ عن التفكّرِ ونُفورٍ مِن الاعتبارِ ، وذلكَ مِمَّا يُوقِظُ ثعابينَ النكباتِ أنفُسِها فَينةً بعدَ فَينةٍ ؛ فإذا زُحزِحَ العراقيُّ عن رَزِيَّةٍ لا يَلبَثُ أنْ يُساقَ إلى وَحْلِ ثانِيةٍ ؛ ويُنشِدَ قولَ الشريفِ الرضي :
أفِي كلِّ يومٍ يعدمُ الدهرُ جانبي 
وتقرَعُني من ناظِرَيهِ القوارِعُ
وفي فجائعِنا تحتلفُ الأسامِي لا غيرُ ؛ رَوَى أبو حيانٍ 
التوحيديُّ في سِفرِهِ البديعِ " الإمتاعُ والمؤانسة" أُحدوثة عن 
بعضِ أهلِ زمانِهِ كأنها قائمة على مَقربةٍ مِنّا ؛ وها هي
:{ قال لنا القاضي أبو حامد المَروَرُّوذي ... انظر إلى فَضْلٍ ومَرعُوشٍ – وهما مِن سَقـَطِ الناس وسِفلتِهم – كيف لهَجَ الناسُ بهما حتى صار جَمِيعُ مَن ببغدادَ إمَّا مَرعوشِيًّا وإمَّا فضلِيًّا .ولقد اجتاز ابنُ معروفٍ -وهو على قضاءِ القضاةِ- ببابِ الطاقِ فتعلقَ بعضُ هؤلاءِ المُجَّانِ بلِجامِ بَغلتِه ، وقال : أيها القاضي ، عَرِّفنا ، أنتَ مرعوشيٌّ أم فضليٌّ ؟ فتحيَّرَ -القاضي- وعَرَفَ ما تحتَ هذه الكلمةِ مِن السَّفَهِ والفِتنةِ ، وأنَّ التخَلصَ بالجوابِ الرَّفيقِ أجدَى عليه مِن العُنفِ والخُرْقِ وإظهارِ السَّطوةِ ، فالتفتَ إلى الحرَّانيِّ –وكان معه وهو مِن الشهودِ – فقال : يا أبا القاسمِ : نحنُ في مَحلةِ مَن؟ قال في محلةِ مَرعوشٍ ؛ فقال ابنُ معروفٍ كذلك نحنُ – عافاكَ اللهُ- مِن أصحابِ مَحلتِنا لا نختارُ على اختيارِهم ولا نتميزُ فيهم ، فقال العَيَّارُ : امْشِ أيها القاضي في سِترِ اللهِ .. }. (الإمتاع والمؤانسة،ج3 ،ص 188، المكتبة العصرية).
تلك فِتنة قد خلتْ ، فانقلبَ إليها الطُّيَّاشُ في زمانِنا ؛ فبِها قِيامُ مَعاشِهم وزِمامُ سُؤددِهم، ومَرَضٌ بالإنسانِ أنْ يحسبَ الخيرَ في قومِهِ خالِصًا والشرَّ في غيرِهم خالصًا. لو مَرَّ (جيامباتيستا فيكو ) على دِيارِنا وتنظَّرَ في وَحشَتِها لارتدَّ عن قانونِهِ في أطوارِ الأُممِ ؛ فهو يرَى البَشرَ أوباشًا ثمَّ "يَتدَيّنونَ" ثمَّ يُنشِئونَ قوانينَ ودولةً ، وفي العراقِ مُزِجَتْ ثلاثةُ الأطوارِ في مَهرِجِ سياسةٍ طارِئٍ! وكم مُتمَنٍّ كانَ يتوهَّمُ أنه صائرٌ مِن بعد الغزوِ إلى نعيمٍ مُقِيمٍ فأفزعَهُ أنْ رأى العراقَ نُهْبَى مَبسُوطةً على جادَّةِ الأشرارِ ، وازدادَ المُتمَنُّونَ انتِباهًا لمَّا عَلِمُوا أنَّ لبْسَ الدينِ والقومِ بالسياسةِ وَخِيمٌ مَبدَؤهُ ومُنتهاهُ ؛ أمّا مَبدؤهُ فأهواءُ الساسةِ سَوَّلتْ لهم أنْ يَتوَزَّعُوا البلادَ توَزُّعَ دِينٍ وقومٍ فحازُوا خَزائنَها وأضاعوا العراقَ وأهله كما فعَلَ الأوائلُ ، وأمّا مُنتهاهُ فمَعرِفة العراقيينَ أنَّ توَزُّعَ ساستِهم فتحَ عليهم في تسعِ سِنينَ أبوابَ بَلاءٍ لا تُغلَقُ. وليس في ذمِّ الشِّركةِ السياسيةِ فرصةٌ لاستبدادِ والٍ ولا مَرغَبٌ في استعلاءِ فئةٍ، لكِنّما فيهِ استِبْصارُ حقيقةٍ بَلجاءَ ؛ يعرفها الناسُ كما يَعرِفونَ أبناءَهم ؛ وهي أنَّ الشَّرِكة في المَشْرُوكِ فيهِ إمَّا اشتراكٌ في قِيادةٍ وانتفاعٍ وإمَّا اشتراكٌ في انتفاعٍ دونَ قِيادةٍ ،وليس وراءَ هاتَينِ الصُّورتَينِ شركة ٌ؛ فإنْ أُقِيمَتْ أُولاهما فنِعِمَّا هَيَ وإذا أُقِيمَتْ الأخرَى ففيها كِفاية، وإليكم مَثلاً : قِطارًا عليهِ أشتاتٌ مِن المُسافرينَ ؛ وِجْهتُهم واحدة ؛ فإذا قائدٌ ماهِرٌ بَلَّغهم إيّاها أثنوا عليهِ وآثرُوهُ لِمَهارتِهِ ،وما هم بسائلِيهِ عن شأنِهِ ،كيف تنشأ الصُّورتانِ بل أُخراهما في سُرادِقٍ "إلهِيٍّ" وعِرقيٍّ تمُوجُ فيهِ الأحقادُ مُتقدِّمُها ومُتأخِّرُها ، وصانِعُوهُ مُتغالِبُونَ وساعٍ بعضُهم لِإذلالِ بعضٍ وتذلِيلِهِ ؛ فمَن غلَبَ  يَعلُ ويَظفرَ بأكبرِ مَغنمٍ وأوسعِ مَقدرةٍ .
وتعافُسُ الساسةِ وتراشُقُهم في الدولةِ "الإلهِيَّةِ" أو العِرقيةِ مَعلومٌ بالمُشاهَدةِ ، والعامَّة والخاصَّةُ سِيَّانِ في التفطُّنِ لهُ ؛ ويا حَبَّذا العامَّة.
أرَأيتَكم لو أنَّ مَعبَدًا فيه مُصلّونَ ولهم فقِيهٌ "يَرعاهم" فأتاهم فقيهٌ ليس على طريقتِهم ؛ أيَأذنونَ أن تكونَ له الفَقاهة والرعاية دُونهم ؟!
أرَأيتَكم لو أنَّ قرية بها قومٌ ؛ لهم هيئة ولغة ؛ فنزَلَ بهِم سيِّدٌ لا يُشبهُهم في شيءٍ ؛ أيَجعلونهُ مَولىً عليهم لهُ مَقالِيدُ المُلك ؟!.
ذانِكَ المَعبَدُ والقريةُ هما قِوامُ دولةِ المَفارِقِ ، فمَن ذا الذي يَطمَعُ أنْ يرَى المُشترِكينَ فيها مُتّفِقينَ على قضيةٍ ؟! وكيف يتوافقونَ والمعبدُ والقرية صارا مجلسَ نوابٍ وحكومة ً ؟!. ومِن عجيبِ التصادُفِ أنَّ ( الشَّراكة ) اشتقاقٌ 
مُحدَثٌ ؛ لا ذِكرَ له في مَعاجمِ العربيةِ الأصيلةِ 
ولا يدلُّ عليهِ قِياسُ التصرِيفِ ، والفصِيحُ : شِرْكة أو شَرِكة أو شِرْكٌ أو إشراكٌ أو مُشارَكة أو تشرِيكٌ أو اشتراكٌ أو تشارُكٌ ، وسُبحانَ اللهِ ! اجتعمتْ بدعتانِ : سياسية ولغوية.
في مَواطِنِ الديمقراطيةِ إذا أُسنِدَ الأمرُ لِحِزبٍ ما ؛ فإنَّ سائرَ الأحزابِ لا خَوفٌ عليها ولا أذِيَّة ؛ فالديمقراطيةُ عندهم ما هي بانتخاباتٍ يَعِزُّ المُقبلونَ عليها ويَهُونُ المُدبرُونَ عنها ؛ إنما الديمقراطية سُنَنُ حياةٍ عَمِيمٌ نفعُها ، فيها خصائصُ حَميدة ، أرقاها أنْ يتولاّها مؤمِنٌ بها خالِصُ الإيمانِ ؛ لِيجعلَ الدولة حِرْزَ مُواطِنيها ومَقصِدَهم جميعًا في رَغدةِ الأمنِ ورَعدةِ الخوفِ ، ويومئذٍ تخبُو الفتنة وتزهُو الأُلفة ويَطمئنُّ الأناسِيُّ فلا يَمِيلونَ إلى نِزاعٍ ولا قِراعٍ ، وفي قولِ (كثيِّرِ عزّة) رَدعٌ لِذوي الاستبدادِ ؛ لو يتّعِظونَ:
بَلوهُ فأعطوهُ المَقادةَ بعد ما
أدَبَّ البلادَ سَهلَها وجبالَها
بَلوهُ : اختبروه ، أعطوه المَقادة : انقادوا له ، أدبَّ البلادَ : ملأها عدلاً فجعلَ أهلها يَدِبّونَ : يمشونَ فيجدونَ أمنَه وبركتَه في السهولِ والجبال.
والعراقيُّ تتخطّفهُ صائلةُ البأساءِ ويَخشَى وِشاية جارِهِ بهِ والسجونُ جَياعَى والنوائحُ لا يَعلمْنَ الليلَ مِن النهارِ. وأمانُ المُستبدِّينَ أنْ يَملأُوا الأرضَ بجَواسيسِهم وجُنودِهم لِيَسترهِبوا الأنفُسَ والأعيُنَ معًا ، وهم يَخالونَ أنَّ ذلكَ مانِعُهم مِن الزَّوالِ ؛كأنْ لم يكُ لهم سالِفٌ هو أشَّدُّ منهم قوَّةً ، وكلما مَضَى مُستبدٌّ تلاهُ مُستبدٌّ فنسَجَ على مِنوالِ سابقِهِ واتبعَ خُطواتِهِ وزَعَمَ أنه واحِدُ دَهرِهِ ولا قُدمَة له .
وإذا نجولُ في أخبارِ ما تقضَّى مِن مَمالِكِ الطغاةِ نجدُهم يَجزُونَ الحائدَ عن سَبيلِهم بصُنُوفٍ مِن التنكِيلِ ؛ منها القتلُ والسَّجنُ بتبعاتِهِ والنفيُ ، والقرآنُ الكريمُ عَدَّدَها في قولِ الباري -عزَّ وجلَّ- في الآيةِ الثلاثينَ من سورةِ الأنفالِ { وإذ يَمْكُرُ بكَ الذينَ كفروا لِيُثبتوكَ أو يَقتلوكَ أو يُخرِجُوكَ } لِيُثبتوكَ أي : ليَسجنوكَ أو يُوثِقوكَ أو يُثخِنوكَ بالضربِ والجَرحِ{تفسير الكشّاف للزمخشري}.
وعلى ذا النحوِ يَتسلسَلُ الجبابرةُ ؛ يَضجَرُونَ مِمَّن خالفهم فيكيدونَ لهُ أو يبطِشونَ بهِ فتنقطِعُ أواصِرُ الشعبِ فيَتشارَسُ "رُؤَساؤهُ" فيَنحَلُّ رِباطُ حِلفِهم فيَطغَى السلطانُ فيَستأثِرُ بالعَسكرِ لِيُؤذِيَ بهم مُخالفِيهِ فيَنفضُّ الشعبُ شَتاتَ شتاتَ لا رأيَ لهم مُلتئمًا يَعتصِمُونَ بهِ ولا تناصُرٌ منهم على بَغيٍ فيَستضعِفهم أعداؤهمُ المُتربِّصونَ بهم فيَستحِلُّونهم فلا يَنتهُونَ عن نهبهم وضَرِّهم.
ذلكمُ الاستبدادُ المُبتلىَ به العراقُ بالأمسِ واليومَ ؛ فمَن يَرتدِد عنه مِن الوُلاةِ ويقضِ بقضاءِ الديمقراطيةِ تكن لهُ الوِلاية على العراقيينَ حقًّا والمُؤازَرة منهم فرضًا ؛ 
فأينَ قادِرٌ على حِيازَةِ مَنفعةٍ في هيكلٍ إكليروسِيٍّ وعرقيٍّ ؛ يَتدافعُ
 الآلِهةُ في أرجائهِ ويَتنابَزُونَ ويَتغاوَرُون ؟!.
...............
 (2)
استفاضَ الضِّجاجُ في شأنِ "المصالحةِ الوطنيةِ" حتى أضحتْ كالسَّرابِ ؛ مهما يَركضْ طالِبوها خَلفها لا يُدرِكوها ؛ ذلكَ بأنَّ الساسةَ المُتشاجرِينَ هم مُبتدِعُوها  وأقحَموا العراقيينَ المُتآخِينَ في مَسالِكِها الوَعرةِ ، فلا الساسةُ مُصطلِحونَ ولا العراقيونَ مَحفوظٌ لهم مِيراثُ التآخِي ؛ وأنّى يُحفَظُ والسِّياسة مَزَّقتهم شَرَّ مُمَزَّقٍ فأمسَوا مَسحُورِينَ بتُرَّهاتِ المُتسَربلِينَ بسَرابيلِ الدينِ والقومِ ، وجَوهَرُ الخِلافِ بالعراقِ أنَّ كلَّ فِرقةٍ مِن فِرَقِهِ الدينيةِ والقوميةِ تعتقِدُ أنها مَظلومة لا ظالمة وتعتقِدُ أنَّ الرَّفاعة لها والوَضاعة لِغيرِها ، واعتقادُهم الأخيرُ قلَّما يَجهَرُونَ بهِ لكنهُ يُعرَفُ مِن فلتاتِ ألسُنِهم تصرِيحًا أو تعرِيضًا. ولو كان "معروف الرصافي" فِينا لم يَزِد على قولِهِ الأوَّلِ مِن قصيدتِهِ "الدين والوطن":
لا يَخدعَنْكَ هُتافُ القومِ بالوَطَنِ
فالقومُ في السرِّ غيرُ القومِ في العَلَنِ 
والديماغوئية فارَ تنُّورُها عَقِيبَ الغزوِ، فالعراقيونَ على رَغمِهم تابِعُو
"كُبَرائهم" وظانُّو النجاةِ معهم ولو لم يَنفعُوهم ، و"لِلكُبَراءِ" أساطِيرُ ؛ هِيَ مَوازِينُهم ؛ يَسوسُونَ الرَّعِية بها ؛ فمَنِ اقتفى أذيالَهم عزَّ جانِبُهُ ومَن اهتدَى بعَقلِهِ فلن تجدَ لهُ ولِيًّا ولا نصيرًا. يقولُ ابنُ سِينا :{ أحقُّ البراهينِ باسمِ البُرهانِ ما كانَ الحدُّ الأوسطُ سببًا لوجودِ الحدِّ الأكبرِ في الأصغرِ كقولنا : هذه الخشبة تعلقُ بها النارُ ، وكلُّ ما تعلقَ به النارُ احترقَ، فهذه الخشبة احترقتْ} عُيُون الحكمة،ابن سينا،ص33 ،دار القلم( فالعراقيونَ كالخشبةِ وهم الحدُّ الأصغرُ ، وزُعماؤهم كالنارِ وهم الحدُّ الأوسطُ ، والفتنة كالحريقِ وهي الحدُّ الأكبرُ.
ولن يكونَ بالعراقِ تصالحٌ ما دامَ أهلُ السياسةِ مَعاشِرَ شتَّى ؛ وكلُّ مَعشَرٍ يَستعبدُ أتباعَهُ استعبادًا ويُبارِي المَعاشِرَ الأخرى لِإضعافِها والحَجْرِ عليها ، إنَّ ذلكَ التبارِي لهُوَ مَذهبُ أمريكا الديمقراطيُّ بالعراقِ الجديدِ ، ولِمَذهبِ أمريكا عواقبُ واقِعة ومَخوفة ؛ فمِن الواقِعةِ أنْ يظلَّ الساسة أجمعونَ مُتعَلِّقِينَ بالأجانبِ تعَلُّقَ الجَنينِ بأُمِّهِ ؛ ما يَستطيعونَ تصالحًا ولا أمْرَهم يَملِكون. ومِن عواقبهِ الواقِعةِ خَباثِية ُ الصدورِ وضِيقها بما تطويهِ مِن الضغائنِ والتولُّعِ بالثأرِ، وإذما تسألْ غَضْبانَ مُنفرِدًا مِن كلِّ جماعةٍ : أتطِيبُ نفسُكَ إنْ أهلكَ اللهُ الجماعاتِ الأُخَرَ ؟! يُجبْكَ رافعًا صوته ويَداهُ إلى السماءِ مَبسوطتانِ: يا ليتهم يَهلِكونَ كافَّة، وهل أتاكم نبأُ أستاذٍ بالعراقِ دكتورٍ بجامعةٍ ؛ وَدَّ  لو يَستمكِنُ مِن عَفائفِ أعدائهِ مَقتًا لهم ورَغَبًا في إذلالِهم ، وكلُّ أُناسٍ إذا سمعوا بمِثلِ ذا الخَبرِ يَقولُ بعضُهم لِبعضٍ : نحنُ أصفِياءُ اللهِ وأحِبّاؤهُ وما مِنّا مُسيئٌ!. وهذا ما أقرَّه سارتر بقولِه {والواقعُ أننا لا نستطيعُ أنْ نتخذ موقفًا خاليًا من التناقضِ نحوَ الغيرِ إلاّ إذا تبدّى لنا كذاتٍ وموضوعٍ في آنٍ وكتعالٍ مُتعالٍ ومُتعالًى عليه وهذا مِن مَبدئه مُحال}.الغير في فلسفة سارتر،
فؤادكامل،ص71، دار المعارف بمصر.
وفحوَى كلامِهِ امتناعُ أنْ ينظرَ الإنسانُ إلى غيرِهِ كما ينظرُ إلى نفسِهِ ، وإنْ قِيلَ: عَلامَ تغايَرَ العراقيونَ وتضادُّوا ؟! فمِن نافِلةِ العِلمِ أنَّ تحَزُّبَهم مِن تحَزُّبِ ساستِهم وتحَزُّبُ ساستِهم حَزَّبَ الدولة َ دستورَها وعَسكرَها ونُوَّابَها حتى عُمَّالَ مَطاعِمِها. ومِن عواقبِهِ المَخُوفةِ (أعني مَذهبَ أمريكا) توالِي الغزوِ في قابلِ الأعوامِ ؛ فغزوُ ثلاثةٍ وألفينِ صارَ قِياسًا يَتمَثَّلُ بهِ مُستحسِنُو الغزوِ ومُستقبحُوهُ ؛ فمَنِ استحسنهُ -لِيَتبَدَّلَ بالقهْرِ القديمِ غزوًا- فهو يَلوذُ بهِ إنْ تداعَى سُلطانُ إيرانَ ، ومَنِ استقبحَهُ لِذهابِ دَولتِهِ فقد يَستحسِنُهُ إذا اشتدَّتْ الوَطأةُ عليهِ فيَلوذُ بهِ لِيَتبَدَّلَ بالقهْرِ الحَديثِ غزوًا. ألا فلنُبْصِر خِزيَة َ الفوادِحِ ؛ ما أثقلَها ! يَبِيتُ التقوِّي بالغُرَباءِ نقذًا ؛ يَتبادَرُه لفِيفٌ مِن أصقاعِ العراقِ كلِّها. 
وجَورُ الرَّاعِي مَجْلبَة لِخِزيِ الرَّعِيَّةِ لا مَناصَ.
ومِن عواقبِهِ الواقِعةِ اضطرارُ العراقيينَ وهم مُتقطِّعُونَ إلى تقطيعِ العراقِ إقليمًا إقليمًا ؛ إذ يَحسبُونَ أنْ لاتَ حِينَ اصطبارٍ بعد ما ذاقَ بعضُهم بَأسَ بعضٍ واغتمَّ به. وحَقيقٌ علينا ها هُنا ذِكرُ الانتخاباتِ ؛ فليسَ فرْضَ نتيجتِها أعظمُ مَساوِئها وإنما سيِّئتُها العُظمَى أنها مَحياةٌ للنفاقِ ومَدعاة للافتراقِ ، أجل ، فالعراقيونَ وإنِ اختلفوا يَجمعْهم جِوارٌ أو صداقة أو نسَبٌ أو تجارة أو عِشقٌ أو كلُّ أولئكَ ، فإذا عَرَضَتْ لهمُ انتخاباتٌ انطلقَ كلٌّ منهم ليَختارَ عدوَّ صاحبهِ زعيمًا لهُ ، أيَبقى في أنفسِهم بعدئذٍ صِدقٌ ونصحٌ أم رِياءٌ وغِشٌّ؟!. وكانَ الماضُونَ يُوجبُونَ العَمَلَ بشِرعةِ حِزبهم – باكورِ الضَّيمِ- ولهم سِمَة وقدوة وتصوِيرة ؛ فخَلفَ مِن بعدهم خَلفٌ لهم سِماتٌ وقدواتٌ وتصاوِيرُ وقد أوجبوا العَمَلَ بشِرعةِ حزبهم –حَنظلِ الضَّيمِ - المُقتبسةِ مِن غيرِ العراقِ ، وكِلتا الشِّرعَتينِ خائبتانِ ، فهَيهاتَ الصُّلحُ مِن عَسفَينِ: ماضٍ وآتٍ ،ويَتحَقَّقُ علينا غايةَ التحَقُّقِ قولُ "أحمد شوقي" في قصيدتِهِ قِفْ برُوما:
راحَ دِينٌ وجاءَ دِينٌ ووَلَّى مُلكُ قومٍ وحَلَّ مُلكٌ مَكانَهْ
والذي حَصَّلَ المُجِدُّونَ إهراقُ دِماءٍ خَلِيقةٍ بالصِّيانَهْ
يَهِيمُ العراقُ في وادِيَينِ مِن الاحترابِ ؛ دِينيٍّ وقوميٍّ ، والأولُ منهما أبينُ مِن الآخَرِ وأفظعُ منه ، وفي ذلكَ عظيمُ الفوزِ لِلأحزابِ القوميةِ ، فهي نائية عن مَرأى العِراكِ نأيًا مَوهُومًا بحيثُ تبدو كأنْ لا وِزْرَ عليها في (أُمِّ جُندُبٍ) ، والحالُ أنها قسِيمٌ في كلِّ خَطبٍ ، إنها لا تفتأُ تُحَرِّضُ على الانفِصالِ وتُدَبِّرُ لهُ ، وإنها حَجَزتْ بَلداتٍ عراقية ً لا شِيَةَ فيها ؛ وتبتغي انتزاعَها ، وإنها لا تبرمُ حِلفًا إلا حِلفَ مُحاصَّةٍ ومُعارَقةٍ ، وكلما أصابَها مَكرُوهٌ ضَجّتْ واستصْرَخَتْ : يا لـَلْعِراقِ يا لـَلْعِراقِ ، فإذا انجابَ المَكروهُ عنها انكفأتْ على كوخِها ، وإنها لتنالُ حَظًّا مِن المُحافظاتِ الثلاثِ وحَظًّا مِن الخَمسَ عشرةَ البَواقِي ، وإليها رئاسة الجمهوريةِ ووزارة الخارجيةِ خِصِّيصَى ؛ فهي وجهُ العراقِ ورَسولُهُ بين الأُممِ ، ذلكَ ؛ وليتما رُعاتُها راضُونَ بالعراقِ وطنًا جَمُوعًا ومُعِينونَ على مَنعتِهِ وغَنائهِ ؛ إذًا لَتسُوغَنَّ لهمُ الإمارةُ عليهِ ؛ على شمالِيِّهِ وجنوبيِّهِ وشرقيِّهِ وغربيِّهِ وبُحبُوحَتِه ، ولكنهم يقولونَ : نحنُ – على الكراهةِ- عراقيونَ ؛ لعَلَّ غُرابَ البَينِ أنْ يَنعَقَ ؛ فمَتى يَنعَقْ فنحنُ في أثرِ نعِيقِهِ قومٌ آخَرونَ مِن فورِنا !.ولئنْ سُئلوا : أترضَونَ أنْ يَلِيَ أمرَكم والٍ مِن سِوَى قومِكم ؟! ليَصِيحُنَّ : كلاَّ ، وهم يَستخلِصُونَ لأنفسِهم أن يَرأَسُوا العراقيينَ عامّة ! ثمَّ إذا جَلجلتْ ساعةُ الفِراقِ تبرّأُوا منهم ومِن العراقِ بظليفتِه.
..................
(3)
أغرقنا خَرِيفٌ تاسِعٌ مُذ وَقَعَتْ أُمُّ اللُّهَيمِ : الغزوُ ، ولم يُؤتِ مَقصِفُ السياسةِ أُكلاً ، وذلكَ لِعِدَّةٍ مِن العِللِ ؛ منها ثلاثٌ واضِحاتٌ لا تخفى مَعالِمُها :
فمِنهنَّ : أنَّ المحُتلينَ جعلوا مَقصِفَ السياسةِ مَدرَجَةً تنحدِرُ إلى مُغالبةِ "الدينِ" والقومِ ؛ ألا ترَونَ العراقيَّ يَفرَحُ ويأمَنُ بزَعامةِ جَماعتِهِ ، ويحزَنُ ويَفزَعُ بزَعامةِ ما عَداها ؟! والوطنُ والمُواطنةُ مَعدُومانِ ألبتةَ ، وإنْ هما إلاّ أُبطولتانِ كأُبطولةِ السلاحِ المَحظورِ التي افترتها أمريكا وأدِلاّؤها حِينَ الحِصارِ الألِيم.
والثانية :أنَّ مُحتَفَلَ الساسةِ لا يَرَونَ العراقَ وطنًا جامِعًا ، ولا أهالِيَهُ سَواسِيةً في مَكانتِهم وحَقِّهم ، ولا عِناية منهم بعراقيٍّ أُوذِيَ أو هلكَ إلا إنْ كانَ من أنصارِهم.
وثالِثةُ ثلاثٍ : أنَّ أمْرَ العراقِ قِيادَهُ في قبضَةِ دولٍ أخرَى ؛ وذلكَ لِتصدُّعِ الدولةِ وتباغُضِ ساستِها.
هذِي العِللُ الثلاثُ آياتٌ بَيِّناتٌ ؛ ولا يَتنازَعُ فيهنَّ فاطِنانِ ولا غافِلانِ ، اللهُمَّ إلاّ أنْ يَتحاوَرَ فاطِنٌ وغافِلٌ فحِينئذٍ يختلِفانِ لا مَحالة ، وإنِ انقشَعَتْ ثلاثُ العِللِ يكنْ للأمَلِ في النجاةِ نادٍ رَحبٌ للتشاوُرِ.
وإنْ كانَ لِلعالَمِينَ عِبرةٌ فيما نتجَهُ الغزوُ ؛ فهي أنهم إذا عَصَبَتهم نفحَة ُ فِتنةٍ سألوا رَبَّهم : ألاّ يُقضْقِضَهم ما قضْقضَ العراقَ ، ونحنُ بالعِبرةِ أخلقُ مِنهم وأحَقُّ.
فهل عَجَبٌ إذا العراقُ فُتَّ في عَضُدِه فلا كانِفة لنا ولا دِفاعَ بنا لِأنْ نُحامِيَ دُونَه ؟! كلاَّ بل شَغلنا الغطارِيسُ بسَفسافِ المَطالِبِ والمَشاغِبِ ، فترَكنا عُصَيبَة الأعادِي يَأتمِرُونَ بنا فيَرمُوننا عن قوسٍ واحدةٍ فيَرُوغونَ علينا ضُرًّا وعَدوًا وسَلبًا وهُزُوًا ؛ ثمَّ هم يَتعَوَّضُونَ أعواضًا والعراقيونَ مِن لدُنْ طِفلِهم إلى شَيخِهم هَلكَى بالحِصارِ والغزوِ، وما أقرَبَ قولَ البحتريِّ إلى حالِنا:
ما إنْ يَزالُ عَدُوُّهم في نِعمَةٍ
مِن مالِهم ، وصَدِيقُهم في بُوسِ. : بُؤسِ
فهاتِيكَ أُمَمُ الأرَضِ جَميعُِها يَجْبِينَ ويَعبُبْنَ ويَغنَينَ مِن نِعَمِ العراقِ والعراقيونَ أشقِياءُ بها ولا يَنالهم منها سِوى حُتاتةٍ وسُلاتة ؟!.
طِلابُ المَقالِ الجوابُ عن السؤالِ: أمَرعُوشِيُّونَ نحنُ أم فَضْلِيُّونَ أم مِثلُ ابنِ معروفٍ القاضي الذي رَوَى أبو حيانٍ نبأهُ في الأيامِ الذواهِبِ ؟!.
مَن فضلٌ ومَن مَرعُوشٌ ؟ هما اثنانِ في العَدَدِ أم في الصِّفةِ ؟ أينَ مُقامُهما ؟ وأيَّانَ زَمانُهما ؟ وهل لهما إلى أنْ يتصالحا ساعةً مِن نهارٍ ؟ وأيُّهما يَعفو عن الآخَرِ؟!.
لا جَرَمَ أنَّ الجوابَ خُبْأةٌ في ضُلوعِنا ؛ ومِنّا المُجاهِرونَ بهِ ومِنّا الكاتِمُون ، وأكثرُنا ما لهم حِيلة ولا نفاذٌ إلى فرَجٍ ، وأمرُنا كأمرِ مَن وَصَفهم المتنبي 
بقولِهِ :
يَرَونَ المَوتَ قـُدَّامًا وخَلفـًا
فيَختارُونَ والمَوتُ اضْطِرارُ .
الشمسُ تترَقرَقُ مِن المشرِقِ فإنْ تطلعْ مِن المغرِبِ ؛ يَستقِمْ مَذهبُ أمريكا الديمقراطيُّ ؛ فيَنشرْ بأرضِنا نُعماهُ وغَضارَتَه.
لشَدَّ ما أرجو أنْ يَطِيشَ ظنّي وعَساهُ أنْ يُدحَضَ ببُلجَةِ العَمَلِ لا بدُلجَةِ الأمَلِ

الأحد، 8 أبريل 2012

إبانة وتعليق

تظنَّنَ بعضُ قارئي مقالةِ ( يُردن زوجًا) ظنونًا مُتباعِداتٍ عن المُرادِ مِن كِتابتِها ، ولا لومَ عليهم في ظِنانتِهم ؛ على أنه يَنبغي الإبانة أنَّ شخصي كان خفِيًّا في صفحةِ موقعِ الزواجِ وليس بها سوى اسمٍ مُختلقٍ ، وعُروضُ الشوابِّ وتصاوِيرُهنَّ الواصِلاتُ إليَّ واصِلاتٌ إلى صفحةِ كلِّ مُسَجِّلٍ ؛ فأولئكَ الشوابُّ الطالباتُ زوجًا يَطرقنَ بِيبانَ الرجالِ على غيرِ درايةٍ ، فإمّا أنْ تصلحَ نِيّاتُهنَّ فيَنلنَ زوجًا وإمَّا أنْ يَخدَعنَ أو يُخدَعنَ ، فالمقالة بُغيتُها إبداءُ مَخبوءٍ في مَحاجِبِ الانترنت.
وهنا تعليقٌ لأختٍ كريمةٍ ظنّتْ ما تظنّاهُ قارئونَ كثيرٌ. 
{كم ذا كشفت النقاب عن حقيقة الرجل ، وقلت لهم يا جماعة ، إنه تشكيلة نفسية غريبة ، لكنهم ما صدقوني .... يبحث عن زوجة في العالم الافتراضي الواسع ، والمشوبة أغبرته بإليكترونات ضوئية ضبابية ، وبعد ذلك ينشد الصدق في من يسعى إليها خاطبًا ثم هل يعقل أن تقدم لك نفسها تلك اللعوب ، على أنها فتاة متمسكة بدينها وعباءتها وخمارها لكي ترفضها أنت أيها الشاب بحجة 
أنها لا تشبه "بنات الجرو "أقصد " بنات الكليب" ؟؟
أنصحك إذا كنت تسعى للحلال أن تكلف والدتك للبحث عن عروس المستقبل ، فلا أعتقد أن مدينتك تخلو من بنات أصل وفصل... ودعك من " النت" ابعد عن الشر وغني له ، ولا تصتصغر من شأنهن لكي لا تقع فريسة لمكرهن ، " كما ذاك الوسيم الذي "كافأته" إحدى الفتيات الرومانسيات ، وكان قد تلاعب بعواطفها كغيرها من بنات جنسها ، بماء حارق ، رشرشته على ملامحه " المضيئة .. والنتيجة " مخلوق قبيح" كلما أبصرته فتاة ، تقززت من منظره ، وانزلقت كلمة يا ويلي" من حنجرتها الرخيمة ، وكأنها رأت الشبح " كاسبار" في منتصف الليل}  
وكان ردي/
أنا لا أبحثُ عن شيءٍ ممّا حَسبتِهِ ، ولو أنك نظرتِ إلى عنوان المقالةِ ( يُردنَ زوجًا) وإلى قولي في أثنائها ( لأُحيط بها خُبرًا) لعرفتِ ذلك ، ما أردتُ إلاّ أنْ أعلمَ حالاً مِن أحوالِ الناسِ ، وجزاكِ اللهُ خيرًا إذ كشفتِ لي أنَّ من قارئي المقالةِ مَن ظنَّ ظنَّكِ ، وهو بعيدٌ أُخَيَّتي. 
بوركتِ

الاثنين، 19 مارس 2012

يُرِدْنَ زَوْجًا




مِن المَعلومِ أنْ يلتمِسَ الرَّجُلُ نظراتٍ إلى المرأةِ إذا أعجبته ؛ فإنْ تمادَى في النظرِ نحوَها وَجَدَ منها توبيخًا أو انصرافًا ، والشَّواهِدُ على ذلكَ لا يُدرِكها إحصاءٌ في قدِيمِ الزَّمانِ وجَديدِه ، ولنقرَأْ مِن السَّالِفِ خَبَرًا ساقه ابنُ منظورٍ في لسانِ العربِ في فصْلِ (ضوء) فقال : {عَلِقَ ( أحَبَّ ) رجلٌ من العَرَبِ امرأَة فإِذا كان الليلُ اجْتَنَحَ إِلى حيثُ يَرَى ضَوْءَ نارِها فَتَضَوَّأَها ( رآها والضَّوءُ يَكشِفُها ) فَقيل لَها إِن فلاناً يَتَضَوَّؤُكِ لِكَيْما تَحْذَره فلا تُريه إِلاَّ حَسَناً فلما سَمِعَتْ ذلك حَسَرَتْ عن يَدِها إِلى مَنْكِبها ثم ضَرَبتْ بِكَفِّها الأُخْرى إِبْطَها وقالتْ يا مُتَضَوِّئاهْ هذه في ......؛ فلما رأَى ذلكَ رَفَضَها}.
أورَدتُ هذِي الأُقصُوصة على ما فيها مِن قِلةِ احتشامٍ لأمرَينِ اثنينِ ؛ أمَّا أحدُهما فلِأُظهِرَ أغلظَ ما يَتيسَّرُ لامرأةٍ أنْ تفعلَه بمَن تعَمَّدَ استراقَ النظرِ إلى ما خَفِيَ منها ، وفي الحقِّ : كيفما يكن صَدُّها له فما هي بمَلومَةٍ عليه . وأمَّا الآخَرُ : فعَمَّا قليلٍ يَستشِفُّه القارئُ الكريمُ.
سمِعتُ بمَواقعِ الزواجِ مُنذُ سِنينَ فأعمَلتُ مَطِيَّ البَحثِ عنها ذاتَ يومٍ لأُحِيطَ بها خُبْرًا ، فلم أستطِع دُخُولاً إلى موقعٍ إلاّ بتسجيلٍ فسجَّلتُ في أحدِها باسمٍ ليس اسمِي - وكذا عادةُ المُسجِّلينَ هُنالِكَ - ، فتصَفَّحتُ الموقعَ ورأيتُ كيف يتعارفُ المُستزْوِجونَ ويَتواصَلونَ ؛ ثم غادرتُه بعد أنْ بلغتُ مَقصِدي مِن العلمِ ، وتركتُ صفحتي خالِية مِن كلِّ ما يَكشِفُ عن شخصي أو يدلُّ عليه ، ونسِيتُ ما سجَّلتُ بهِ مِن اسمٍ ورَمْزِ مُرورِ بل نسِيتُ المَوقعَ بأصِيلتِه ؛ وما كان لي رُجُوعٌ إليه لولا أنْ وَصَلتْ منه إليَّ بضْعُ دَعَواتٍ وعُرُوضٍ ؛ لا شيءَ فيها إلاّ صُوَرٌ لِشَوابَّ - جمع شابَّة- يُبْدِينَ بعضَ مَفاتِنِهنَّ ؛ وتلكَ الصُّوَرُ مُريبة ولا تحُثُّ راشِدًا على زَواجٍ ، فقلتُ في نفسي : لعلَّ أولئكَ الشَّوابَّ أضْناهنَّ طُولُ الانتظارِ واليأسُ مِن مَجيءِ راغِبٍ فيهنَّ فاندفعْنَ بجَراءةٍ إلى إبداءِ مَستورِ أجسامِهنَّ عَسَى أنْ يُصادِفنَ عِندَ أحدٍ قَبُولاً واستحسانًا ، ولكنْ أيكونُ طولُ الانتظارِ عُذرًا لهنَّ فِيما يُقدِمْنَ عليه ؟ وإنْ رُضِيَ عُذرُهنَّ فهل طرحُهنَّ الثيابَ يَستقدِمُ إليهنَّ زَوْجًا ؟!. ثمَّ رَجَعتُ القولَ وأنشأتُ أسألُ : متى كان الرُّشْدُ حافِزًا للرجلِ وحاكِمًا عليه إذا أرادَ له زوجةً ؟! أذكرُ حِينَ الثانويةِ زَمِيلاً مِن النُّخبةِ سُئلَ عن الزَّوجةِ التي يَرجُوها ؛ فتمنَّى أنْ يكونَ لِزوجتِه صِفاتُ جسْمٍ هو على النقِيضِ منها ! ولم يَتمَنَّ فيها شيئًا آخرَ بتَّةً !. ومِن قبلِه يقولُ المتنبي:
أذا الغُصْنُ أمْ ذا الدَّعْصُ أمْ أنتِ فِتنةٌ  = وذَيَّا الذي قبَّلتُه البَرْقُ أم ثغرُ
أذا : أهذا ، الغُصنُ : كِناية عن قدِّها ، الدَّعصُ : معناه الرَّمْلُ وهو كِناية عن رِدفها ، أم أنتِ فِتنةٌ : أي تفتنين الناسَ بحُبِّكِ فيحسبون قدَّكِ غُصنًا ورِدفكِ رَمْلاً ، الذي قبَّلته : هو أسنانُها ، ولِشَدَّةِ صَفائها ظنّها بَرقًا.
فتِلكَ الشَّوابُّ إذاً عَرَفنَ ما يَبتغِيه الرجلُ فيهنَّ ففعلنَ له ما يُرَغِّبُه ؛
غيرَ أنهنَّ غافِلاتٌ عن أنَّ جَمْهَرَةَ الوافِدِينَ عليهنَّ لا يَرتضُونَ زوجةً تتزَيَّدُ في عَرْضِ مَحاسِنِها وإنما هم لِمُصاحبتِها والانتفاعِ بها مُشَمِّرونَ وطالِبون.
لا بدَّ مِن الإقرارِ بأنَّ مواقعِ الزواجِ اللاتِي جُلتُ فيها أكثرُها ليستْ كمِثلِ الموقعِ الذي تحدَّثتُ بأمْرِه في هذه المقالةِ ؛ بل هي نزِيهةٌ ومُنظَّمة.


الثلاثاء، 14 فبراير 2012

سحابة في الحُبِّ



 يَنشُدُ الإنسانُ في حَداثةِ شَبابِه حَبيبًا ويَسعَى لأنْ يَنالَه على حسبِ ما تمنَّاه وتصوَّرَه ، وتلكَ مُراهقةٌ خادِعَةٌ ، وكلما كَبِرَ قلَّتْ عِنايتُه بما يَتخَيَّلُ وأضْحَى لا يَشترطُ شرْطًا قبْلُ الهَوَى بل يشترطُ الشُّروطَ حِينَ يُحِسُّ مِن أحَدٍ حُبًّا ، والعَينُ مَجْلبةٌ للهوَى سَواءٌ أكان حَسَنَ العاقبةِ أم سيِّئَها ؛ فمِمَّا كثرةِ النظرِ يتخَبَّطُ الناظِرُ ويَحارُ ويُصادِفُ مَن ليس يَجمَعُه به وِفاقٌ ، وصَدَقَ عُمَرُ بنُ أبي ربيعةَ إذ قالَ :
إنَّ طرفي دلَّ الفؤادَ عليها   ففؤادي كالهائمِ المَقتولِ
وإذ ذاكَ يُصيبُه وَجَعٌ مِن كلِّ تعَلُّقٍ نشِبَ فيه ، ولا مَنجَى له قريبًا ولا بعيدًا ، وذلِكَ (مَجْنونُ ليلى) لم يَبرَحْ عنه هُيامُهِ ، وفي حالِهِ للعاقِلِ عِظةٌ وتَذكارٌ ، وهو يقولُ :
إذا رُمْتُ عنها سَلوةً قال شافعٌ   من الحُبِّ مِيعادُ السُّلوِّ المقابرُ
(شهد برمدا) بديعةُ الصوتِ وذاتُ وَجْهٍ فيه طفولةٌ ودُمُوثةٌ ، وأغنيتُها المَغروزةُ في أعلى التدوينةِ مِن الأدِلةِ على ذلكَ ، وهي تكشِفُ عن جَلَدٍ وبَسالةٍ في قطعِ وِصالِ المَحبوبِ ذِي الإساءةِ.

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

النَّدَى أم السيفُ ؟

رُبَّما يكون على أحدِنا إذا رأى إنسانًا على خطإٍ أن يُرشِدَه ، خصوصًا مَن كان بيننا وبينه قرابةٌ أو صداقةٌ أو زوجيةٌ أو جِوارٌ أو نحوُ ذلك ؛ فلا ندري أتكون القساوةُ أنفعُ له أم اللطافةُ ؟! وكثيرًا نغترُّ – نحن الرِّجالَ - فنحسِبُ العَنافةَ خصلةً مَحمودةً لا بدَّ أن تـُرَى فينا على كلِّ حالٍ وإلاّ أصبحنا مَرمًى للسخريةِ مِن كلِّ ناحيةٍ .
والأيامُ تخبرُنا أنَّ الأحوالَ مُختلِفةٌ ، وذاك المتنبي
يقولُ :
ووَضْعُ النَّدَى في مَوضِعِ السَّيفِ ، بالعُلَى 
مُضِرٌّ ، كوَضْعِ السَّيفِ في مَوضِعِ النَّدَى
النَّدَى هُنا هو السَّخاءُ والجُودُ ، ومعنى البيتِ : إذا وُضِعَ السَّخاءُ في مَوضِعِ العِقابِ و العِقابُ في مَوضِعِ السَّخاءِ كان ذلك مُضِرًّا بالرِّفعة والمَجدِ.
والأيامُ تخبرُنا أحيانًا ، أنَّ في لِينِ الجانِبِ حَضًّا للمُخطِئِ على أنْ يَنتهِي عن خطئه ، ولو كان حَرِيًّا بالفظاظةِ.



السبت، 20 أغسطس 2011

هل لك في رِحلةٍ ؟

ما على الأرضِ مَكانٌ يُغادِرُهُ المسلِمُ ولو نفِدَ مالُهُ وكلَّ جسْمُه فيه ثمَّ يَتوقُ فؤادُهُ للرُّجوعِ إليهِ كمَكةَ المُكرمةِ والمَدينةِ المنورةِ ، فالسَّفرُ إليهما باهِظُ الثمَنِ ، والحَرُّ حَولَ مَسْجِدَيهما شديدٌ أحيانًا ، وأينما تُوَلِّ فهُنالِكَ زِحامٌ مُزعِجٌ ، ويَنشأُ عن ذَينِكَ عطشٌ وتعَبٌ ناهِكانِ،،،.
على أنَّ الوافِدَ عليهما -مُعتمِرًا أو حاجًّا- يَنسَى مَشَقّتَه مِنهما مهما تكن ، بل يُنفِقُ جُلَّ مالِهِ كيما يَأتِيَهما الحِنيةَ بعدَ الحِينةِ فيَثلجَ صَدْرُه بجِوارِ المَسجدِ الحرامِ ومَسجدِ الرسولِ الأكرمِ (ص) ، يُدهِشُهُ البُنيانُ وزِينةُ السَّقفِ وجودةُ البُسُطِ والجُدرانُ ، وحيثما يَمْشِ أو يقعُدْ يَرَ أوعيةَ زَمْزَمَ مُعَلَّقًا عليها أقداحٌ بيضٌ جديدةٌ يُشْرَبُ بها مرَّةً واحدةً فتُرْمَى ،،، ونِعْمَ عَمَلاً أنْ يُصَلِّيَ فرْضًا أو نفلاً فيَقرأَ القرآنَ الكريمَ ثمَّ يَتضَرَّعَ إلى بارِئهِ ثمَّ يَرتوِيَ بماءِ زَمْزَمَ فيَنهَضَ إلى تجْوالِهِ في النواحِي والعَرَصاتِ ،،، وما كان أبْهَى مَنظرَ امرأةٍ مُؤمِنةٍ رأيتُها ذاتَ عُمْرَةٍ في الحَرَمِ المَكِيِّ جالِسةً تتنظَّرُ الكعبةَ ، وعيناها ترْنوانِ إليها وتذرِفانِ دَمْعَ الوَجْدِ والخُشُوعِ .
ولعَمْرُ اللهِ إنْ هي إلاّ دَعْوَةُ أبي الأنبياءِ " الخَليلُ " الذي قال ربُّنا على لِسانِهِ في سورةِ إبراهيمَ في الآيةِ السابعةِ والثلاثينَ {ربَّنا إنِّي أسْكنتُ مِن ذرِّيتِي بوادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ، ربَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفئدةً مِن الناسِ تهْوِي إليهم ...}،،، قال الشريفُ الرضي : "وهذه مِن مَحاسِنِ الاستعارةِ ، وحقيقةُ الهُوِيِّ : النزولُ من عُلو إلى انخفاضٍ كالهُبوطِ ،،، والمرادُ تُسْرِعُ اليهم- أي الأفئدة- شوقًا وتطِيرُ إليهم حُبًّا". (صفوة التفاسير للصابوني).


الكذِبُ رذيلةٌ ، وتشتدُّ فيمَن كان قائدًا للعَمَلِ الصالحِ ، ومنهم أصحابُ حَمَلاتِ الحجِّ والعُمرةِ ، هاكـُمْ حِكايةً عنهم حكاها منذ أسابيعَ قريبٌ لي ، فقال : وَعَدَنا عَرِيفُ حَمْلتِنا بأن يَجْعَلَ سَفرَنا بالطائرةِ ذهابًا وإيابًا من بغدادَ إلى جدةَ ، فلا صَدَقَ ولا أوْفى ، ولكن كظَّنا في حافلةٍ وزَحَفَ بنا إلى دمشقَ فاحتبسْنا فيها خمسةَ أيامٍ نرتقِبُ حَجْزَ طائرةٍ إلى جدةَ ، فلمّا أنْ هَبطنا عليها نفرْنا مِن فورِنا إلى المدينةِ المنورةِ فهَدَأنا فيها أربعةَ أيامٍ ، ثمَّ رُحْنا إلى مكةَ بحافلةٍ لا بارِدةٍ ولا واسِعةٍ ، فوصلنا والتعَبُ يَمُضُّنا مَضًّا وأجسادُنا تنضَحُ بالعَرَقِ ، حتى إني أقسمْتُ باللهِ جَهْدَ يَمِيني : ما تكونُ لي عَودَةٌ لِعُمْرةٍ ولا لِشيءٍ أبَدَ الدَهْرِ ،،، فعَكفنا بمكةَ ثمانِيَ ليالٍ بفُندقٍ ناقِصِ الخدمةِ ، بل الماءُ قُطِعَ عنّا ساعةً فتذكرنا حالَ العراقِ ، فلمّا انقضتْ أيامُ الإقامةِ المَضْروبةُ لنا عُدْنا إلى مَطارِ جدةَ ، فانتهَينا إليه بالليلِ في الثانيةَ عشرةَ وعشرِ دقائقَ ، لِنقفلَ إلى دمشقَ بالطائرةِ ، وقبل قفُولِنا وقعَ لنا ما لم نكن نحتسِبُ ، لقد رَفرَفتْ طائرتُنا في الواحدةِ إلا ثلثًا ونحنُ جُلوسٌ نتظِرُ أوانَ رُكوبنا فيها ، ذلك بأنَّ عَريفَ الحملةِ أخطأ في قراءةِ مَوعِدِ الإقلاعِ فظنَّ أنه في الرابعةِ وعشرينَ دقيقةً ، ولم يُعِدِ النظرَ إلى التذاكِرِ إلا بُعَيدَ أن تركتنا الطائرةُ ،،، ففزِعْنا - نحنُ المُعتمِرِينَ- وهاجَ هائجُنا وهَدَّدْنا العريفَ قائلين له : لنشْكُوَنَّكَ إلى المَسئُولين ها هُنا ، ولنُبْلِغَنَّ قنواتِ التلفزةِ والإذاعةِ والصُّحُفَ ، أو لتَجْعَلَنَّ لنا مَخرَجًا مِمَّا رميتنا فيه ؛ فلم يُبالِ وقامَ يُخادِعُنا ساعاتٍ أربعًا أو خمْسًا حتى مَطلعِ الفجْرِ ، ثمَّ لمْلمَنا إلى الحافلةِ وغدا بنا إلى مكةَ ، فأسْكننا فندقًا غيرَ الذي أسكننا إيّاهُ مِن قبلُ ، وأمَرَنا بأنْ نكونَ قرِيبًا منه ، فمَتى أرادنا لا يَتعَذَّرْ عليه جَمْعُنا ، ولم نستطِعُ ذهابًا إلى الحَرَمِ إذ بيننا وبينه ألفا مترٍ ، مِنّا مَن نفِدَتْ أموالُهم ؛ ما لهم صادِرٌ ولا وارِدٌ فلاذُوا إلى خَيمةِ تفطِيرٍ لدَى جامعٍ تجاهَ فندقِنا ،، وهكذا حالُنا في أيّامٍ أربعةٍ حتى جاءَ خبرُ الحَجْزِ إلى دمشقَ ...
سألتُ قريبي هَذاكَ : هل لكَ في رِحْلةِ عُمْرَةٍ بعدَ الذي دَهاكَ وعَناكَ ؟! فتبسَّمَ وقال : إي ،، وإني لعازِمٌ على الحَجِّ أيضًا..

الثلاثاء، 31 مايو 2011

لُغَوِيَّاتٌ مِن محي الدين بنِ عبدِ الحميد

هُنا مَسألتانِ في اللغةِ كنتُ حَيْرانَ فيهما ما أعرِفُ للصَّوابِ سَبيلاً حتى قرأتُ حاشيةَ العلاّمةِ مُحَمَّدِ بنِ محي الدينِ بنِ عبدِ الحميدِ –رحمه اللهُ- فأفدتُهما ، ومِن دُونِهما جَمٌّ من المَسائلِ ضَمَّتها تِيكَ الحاشيةُ النفِيسةُ .
فأمَّا إحدى المَسألتَيْنِ فإدخالُ (أنَّ ومَعمولَيها : اسمَها وخَبَرَها ) على الفِعلِ الماضي (هَبْ) ؛ كأنْ أقولَ –مثلاً- : هَبْ أنَّ زيدًا مُسافِرٌ ، فعَلِمْتُ أنَّ ذلك جائزٌ ، وكنتُ أظنُّ (هَبْ) يدخلُ على مَفعُولَينِ صَرِيحَيْنِ فقط ؛ فأقولُ : هَبْ زيدًا مُسافِرًا .
و(هَبْ): فِعلُ أمْرٍ وهو مِن (أخواتِ ظنَّ) التي تنصبُ مَفعولَيْن أصْلُهما مبتدأٌ وخبرٌ ومَعناه : احسُبْ واعدُدْ ، تقولُ – مثلاً- ( هَبْ عَمْرًا عالِمًا) :
أي : احسُبْه واعدُدْه كذلك ، ولا يُستعملُ منه ماضٍ ولا مُضارعٌ في هذا المعنى.
قال العلامةُ (محي الدين) بعدما شرحَ بيتَ (ابنِ همامٍ السلوليِّ) الذي أورده (ابنُ عقيلٍ) في شرحِه (لألفية ابن مالكٍ) في بابِ (ظنَّ وأخواتها) وهو:
فقلتُ أجِرْني أبا مالكٍ وإلا فهَبْني امرأً هالِكا .
قال العلامةُ (عبدُ الحميدِ):
{واعلمْ أيضًا أنَّ الغالبَ على (هَبْ) أنْ يتعدَّى إلى مَفعولينِ صريحَينِ كما في البيتِ الشاهدِ ، وقد يدخلُ على (أنَّ) المُؤكدةِ ومَعموليها ، فزَعَمَ ابنُ سيده والجرمي أنه لَحْنٌ –أي خطأ- ، وقال الأثباتُ من العلماءِ المحققين : ليس لَحْنًا ، لأنه واقعٌ في فصيحِ العربيةِ . وقد رُوِيَ من حديثِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ-رض- " هَبْ أنَّ أبانا ..."،، وهو – مع فصاحتِه- قليلٌ }.
وأمَّا المَسألةُ الأخرَى فترخيمُ غيرِ المُنادَى ضَرُورةً في الشِّعرِ ، وحِينَ كتبتُ قصيدةَ (آمِنْ بعقلِك) ختمتُها بترخيمِ غيرِ المنادَى فقلتُ :
إنَّ السلامة َ لا تكونُ لِمُبْحِرٍ ترَكَ السَّفِينَ تقودُها حِيتانُ.
فرخَّمتُ (السفينة) ، فلمَّا أسمَعتُ البيتَ أُستاذَيْنِ هما أعلمُ بالشعرِ مِني أنكرا عليَّ ما صنعتُ ، فلم آخُذ بقولِهما ؛ إذ خُيِّلَ إليَّ أنَّ ضروراتِ الشعرِ تسَعُ ترخيمَ غيرِ المنادى ،،، ذلك وفي كلمةِ ( السَّفِين) وجهٌ آخَرُ مَرضِيٌّ في الوزنِ والمعنى وهو كونُها جَمْعَ سَفِينةٍ ؛ فالسفينةُ تُجمَعُ على سُفُن وسفائن وسَفِين ،،، ثمَّ قرأتُ حاشيةَ العلامةِ ( محي الدين) في بابِ (الترخيم) فوجدتُه يقولُ:" وفي الشعرِ العربيِّ حذفُ بعضِ الكلمةِ بكلِّ حالٍ ، وإنْ لم تكن صالِحةً للنداءِ ؛ للضرورةِ ، كحذفِ بعضِ الضميرِ وبعضِ الحرفِ وبعضِ الاسمِ المقرونِ بأل ، وكلُّ هذه الأنواعِ لا تصلحُ للنداءِ ، فمِن ذلك قولُ لبيدِ بنِ ربيعة:
دَرَسَ المَنا بمُتالِعٍ فأبانِ فتقادمتْ ، فالحَبسِ فالسُّوبانِ
أرادَ "دَرَسَ المَنازِل " فحذف حرفينِ من الكلمةِ ......
ومنه قولُ النجاشيِّ :
فلستُ بآتِيهِ ولا أستطيعُهُ ولاكِ اسقِني إنْ كانَ ماؤكَ ذا فضْلِ.
فحَذَفَ النونَ مِن "ولكنْ " لاجتماعِ الساكنينِ ضرورةً لِيستقيمَ له
الوزنُ ....
ومِثلُ ذلك كثيرٌ في شِعرِ العربِ وهو-مع كثرتِه- بابٌ لا يحتمِله إلا الشعرُ ...".}.
لقد صدقَ العلامةُ محي الدين –رحمه اللهُ- عندما قالَ في خاتمةِ حاشيتِه على ألفية ابن مالكٍ {" قد تلاقت في هذا الكتابِ كتبٌ فأغنى عنها
جميعًا في حين أنه لا يُغني عنه شيءٌ منها"} . ذلك بأني قرأتُ شرحَ (ألفيةِ ابنِ مالكٍ) أربعَ مِرارٍ بل خَمْسًا أو أكثرَ فما ظفرْتُ بما يدفعُ جَهلي بِعُبابِه ؛ فأمَمْتُ سِواه مِن كتبِ النحوِ القديمةِ والحديثةِ فلم أجد كِفايتي في واحِدٍ منها ، ولا يزالُ الإنسانُ طالِبًا رَكوبَ العِلمِ ورُكوبَه حتى يُلحَدَ في رَمْسِه أو يُرْمَسَ في لَحْدِه.

الاثنين، 18 أبريل 2011

إيفان الدراجي ؛ ريحانة الأطلالِ

بينما كنتُ جالِسًا الأحَدَ الماضي أشاهدُ ( أهل المدينة) في (الشرقية) إذ أهلَّتْ فِقرةُ مَعرِضٍ تشكيلي بالبصرةِ ولم أدرِ لِمَن هو ،،، وما إنْ رأيتُ اللوحاتِ الثلاثَ الأُوَلَ حتى خَطرَ ببالي تشابُهٌ بينها وبين لوحاتِ الفنانةِ (إيفان الدراجي) لشِدَّةِ الشَّبَهِ بينهما ؛ ثم ثبتتْ فِراستي لمـَّا كُتِبَ اسمُها على الشاشةِ ومعه عنوانُ مَعرِضِها وهو « الحواسُّ »،،، حقًّا لِرِيشةِ ( إيفان) آثارٌ تدلُّ عليها ، لم يكن على شُخوصِ رُسُومِها دلائلُ لجماعةٍ أو بَلدةٍ ، بل لوحاتُها النسويةُ جمعاءُ تخلو من كلِّ شيءٍ يُفرِّقُ البَشَرَ ، وتلك فضيلةٌ صعبةُ المَنالِ يطلبُها كلُّ عراقيٍّ سَئمَ من الحالِ التي انتهَى إليها العراقُ في هذي الحقبةِ الشاقَّةِ ،،، كان حديثُها المُتلفزُ -على قِصَرِه- وافِيًا لِجَلاءِ بعضِ المعاني والفِكَرِ التي مازجت الألوانَ ، وكاشفًا عن اعتدالٍ في شخصيتِها لا يَحوزُه إنسانٌ إلا انطلقَ مِن ضيقِ الأكواخِ إلى رحابةِ الأفضِيةِ.، الأفضِية : جَمْعُ فضاءٍ. وفي خِتامِ حديثِها أقرَّتْ بضَرورةِ التشارُكِ المَتِينِ بين الرجلِ والمرأةِ ؛ فهما الأخَوانِ والصديقانِ والحبيبانِ والزوجانِ ولا يستغني أحدُهما عن الآخر. فليُبارِكِ اللهُُ في ( إيفان) ويحفظها ويَنشُرْ رَياحِينَ فَنِّها الرَّائقِ في أطلالِ بلادنا الثكلى.
رابطا مدونتَي الفنانة المتوهجة(إيفان الدراجي)




الاثنين، 21 مارس 2011

متى أراكِ

لا أستيقِظ على شيءٍ أحلى عندي من رُؤيةِ أمِّي ،
فحينئذٍ أرتاحُ وأتفاءلُ وتطمئنُّ نفسي ،
أذكرُ لأمِّي مِن الفضلِ أشياءَ كثيرةً ،
أوَّلها أنها أسمتني باسمي،،،
وثاينها أنها رافقتني في عَمَلِيتين جراحِيتين أُجْرِيتا لي في صِبايَ ،
فكانت شديدةَ الحنانِ كثيرةَ الرِّعايةِ ،
عامِي هذا أوَّلُ عامٍ يَمُرُّ عيدُ الأمِّ عليَّ ولا أراها فيه ،،،

والحديثُ عن فضلِها لا يُكتبُ إلا القليلُ منه ،،،

http://www.youtube.com/watch?v=tifxcb3rtM4&feature=related