الأحد، 8 أبريل 2012

إبانة وتعليق

تظنَّنَ بعضُ قارئي مقالةِ ( يُردن زوجًا) ظنونًا مُتباعِداتٍ عن المُرادِ مِن كِتابتِها ، ولا لومَ عليهم في ظِنانتِهم ؛ على أنه يَنبغي الإبانة أنَّ شخصي كان خفِيًّا في صفحةِ موقعِ الزواجِ وليس بها سوى اسمٍ مُختلقٍ ، وعُروضُ الشوابِّ وتصاوِيرُهنَّ الواصِلاتُ إليَّ واصِلاتٌ إلى صفحةِ كلِّ مُسَجِّلٍ ؛ فأولئكَ الشوابُّ الطالباتُ زوجًا يَطرقنَ بِيبانَ الرجالِ على غيرِ درايةٍ ، فإمّا أنْ تصلحَ نِيّاتُهنَّ فيَنلنَ زوجًا وإمَّا أنْ يَخدَعنَ أو يُخدَعنَ ، فالمقالة بُغيتُها إبداءُ مَخبوءٍ في مَحاجِبِ الانترنت.
وهنا تعليقٌ لأختٍ كريمةٍ ظنّتْ ما تظنّاهُ قارئونَ كثيرٌ. 
{كم ذا كشفت النقاب عن حقيقة الرجل ، وقلت لهم يا جماعة ، إنه تشكيلة نفسية غريبة ، لكنهم ما صدقوني .... يبحث عن زوجة في العالم الافتراضي الواسع ، والمشوبة أغبرته بإليكترونات ضوئية ضبابية ، وبعد ذلك ينشد الصدق في من يسعى إليها خاطبًا ثم هل يعقل أن تقدم لك نفسها تلك اللعوب ، على أنها فتاة متمسكة بدينها وعباءتها وخمارها لكي ترفضها أنت أيها الشاب بحجة 
أنها لا تشبه "بنات الجرو "أقصد " بنات الكليب" ؟؟
أنصحك إذا كنت تسعى للحلال أن تكلف والدتك للبحث عن عروس المستقبل ، فلا أعتقد أن مدينتك تخلو من بنات أصل وفصل... ودعك من " النت" ابعد عن الشر وغني له ، ولا تصتصغر من شأنهن لكي لا تقع فريسة لمكرهن ، " كما ذاك الوسيم الذي "كافأته" إحدى الفتيات الرومانسيات ، وكان قد تلاعب بعواطفها كغيرها من بنات جنسها ، بماء حارق ، رشرشته على ملامحه " المضيئة .. والنتيجة " مخلوق قبيح" كلما أبصرته فتاة ، تقززت من منظره ، وانزلقت كلمة يا ويلي" من حنجرتها الرخيمة ، وكأنها رأت الشبح " كاسبار" في منتصف الليل}  
وكان ردي/
أنا لا أبحثُ عن شيءٍ ممّا حَسبتِهِ ، ولو أنك نظرتِ إلى عنوان المقالةِ ( يُردنَ زوجًا) وإلى قولي في أثنائها ( لأُحيط بها خُبرًا) لعرفتِ ذلك ، ما أردتُ إلاّ أنْ أعلمَ حالاً مِن أحوالِ الناسِ ، وجزاكِ اللهُ خيرًا إذ كشفتِ لي أنَّ من قارئي المقالةِ مَن ظنَّ ظنَّكِ ، وهو بعيدٌ أُخَيَّتي. 
بوركتِ

الاثنين، 19 مارس 2012

يُرِدْنَ زَوْجًا




مِن المَعلومِ أنْ يلتمِسَ الرَّجُلُ نظراتٍ إلى المرأةِ إذا أعجبته ؛ فإنْ تمادَى في النظرِ نحوَها وَجَدَ منها توبيخًا أو انصرافًا ، والشَّواهِدُ على ذلكَ لا يُدرِكها إحصاءٌ في قدِيمِ الزَّمانِ وجَديدِه ، ولنقرَأْ مِن السَّالِفِ خَبَرًا ساقه ابنُ منظورٍ في لسانِ العربِ في فصْلِ (ضوء) فقال : {عَلِقَ ( أحَبَّ ) رجلٌ من العَرَبِ امرأَة فإِذا كان الليلُ اجْتَنَحَ إِلى حيثُ يَرَى ضَوْءَ نارِها فَتَضَوَّأَها ( رآها والضَّوءُ يَكشِفُها ) فَقيل لَها إِن فلاناً يَتَضَوَّؤُكِ لِكَيْما تَحْذَره فلا تُريه إِلاَّ حَسَناً فلما سَمِعَتْ ذلك حَسَرَتْ عن يَدِها إِلى مَنْكِبها ثم ضَرَبتْ بِكَفِّها الأُخْرى إِبْطَها وقالتْ يا مُتَضَوِّئاهْ هذه في ......؛ فلما رأَى ذلكَ رَفَضَها}.
أورَدتُ هذِي الأُقصُوصة على ما فيها مِن قِلةِ احتشامٍ لأمرَينِ اثنينِ ؛ أمَّا أحدُهما فلِأُظهِرَ أغلظَ ما يَتيسَّرُ لامرأةٍ أنْ تفعلَه بمَن تعَمَّدَ استراقَ النظرِ إلى ما خَفِيَ منها ، وفي الحقِّ : كيفما يكن صَدُّها له فما هي بمَلومَةٍ عليه . وأمَّا الآخَرُ : فعَمَّا قليلٍ يَستشِفُّه القارئُ الكريمُ.
سمِعتُ بمَواقعِ الزواجِ مُنذُ سِنينَ فأعمَلتُ مَطِيَّ البَحثِ عنها ذاتَ يومٍ لأُحِيطَ بها خُبْرًا ، فلم أستطِع دُخُولاً إلى موقعٍ إلاّ بتسجيلٍ فسجَّلتُ في أحدِها باسمٍ ليس اسمِي - وكذا عادةُ المُسجِّلينَ هُنالِكَ - ، فتصَفَّحتُ الموقعَ ورأيتُ كيف يتعارفُ المُستزْوِجونَ ويَتواصَلونَ ؛ ثم غادرتُه بعد أنْ بلغتُ مَقصِدي مِن العلمِ ، وتركتُ صفحتي خالِية مِن كلِّ ما يَكشِفُ عن شخصي أو يدلُّ عليه ، ونسِيتُ ما سجَّلتُ بهِ مِن اسمٍ ورَمْزِ مُرورِ بل نسِيتُ المَوقعَ بأصِيلتِه ؛ وما كان لي رُجُوعٌ إليه لولا أنْ وَصَلتْ منه إليَّ بضْعُ دَعَواتٍ وعُرُوضٍ ؛ لا شيءَ فيها إلاّ صُوَرٌ لِشَوابَّ - جمع شابَّة- يُبْدِينَ بعضَ مَفاتِنِهنَّ ؛ وتلكَ الصُّوَرُ مُريبة ولا تحُثُّ راشِدًا على زَواجٍ ، فقلتُ في نفسي : لعلَّ أولئكَ الشَّوابَّ أضْناهنَّ طُولُ الانتظارِ واليأسُ مِن مَجيءِ راغِبٍ فيهنَّ فاندفعْنَ بجَراءةٍ إلى إبداءِ مَستورِ أجسامِهنَّ عَسَى أنْ يُصادِفنَ عِندَ أحدٍ قَبُولاً واستحسانًا ، ولكنْ أيكونُ طولُ الانتظارِ عُذرًا لهنَّ فِيما يُقدِمْنَ عليه ؟ وإنْ رُضِيَ عُذرُهنَّ فهل طرحُهنَّ الثيابَ يَستقدِمُ إليهنَّ زَوْجًا ؟!. ثمَّ رَجَعتُ القولَ وأنشأتُ أسألُ : متى كان الرُّشْدُ حافِزًا للرجلِ وحاكِمًا عليه إذا أرادَ له زوجةً ؟! أذكرُ حِينَ الثانويةِ زَمِيلاً مِن النُّخبةِ سُئلَ عن الزَّوجةِ التي يَرجُوها ؛ فتمنَّى أنْ يكونَ لِزوجتِه صِفاتُ جسْمٍ هو على النقِيضِ منها ! ولم يَتمَنَّ فيها شيئًا آخرَ بتَّةً !. ومِن قبلِه يقولُ المتنبي:
أذا الغُصْنُ أمْ ذا الدَّعْصُ أمْ أنتِ فِتنةٌ  = وذَيَّا الذي قبَّلتُه البَرْقُ أم ثغرُ
أذا : أهذا ، الغُصنُ : كِناية عن قدِّها ، الدَّعصُ : معناه الرَّمْلُ وهو كِناية عن رِدفها ، أم أنتِ فِتنةٌ : أي تفتنين الناسَ بحُبِّكِ فيحسبون قدَّكِ غُصنًا ورِدفكِ رَمْلاً ، الذي قبَّلته : هو أسنانُها ، ولِشَدَّةِ صَفائها ظنّها بَرقًا.
فتِلكَ الشَّوابُّ إذاً عَرَفنَ ما يَبتغِيه الرجلُ فيهنَّ ففعلنَ له ما يُرَغِّبُه ؛
غيرَ أنهنَّ غافِلاتٌ عن أنَّ جَمْهَرَةَ الوافِدِينَ عليهنَّ لا يَرتضُونَ زوجةً تتزَيَّدُ في عَرْضِ مَحاسِنِها وإنما هم لِمُصاحبتِها والانتفاعِ بها مُشَمِّرونَ وطالِبون.
لا بدَّ مِن الإقرارِ بأنَّ مواقعِ الزواجِ اللاتِي جُلتُ فيها أكثرُها ليستْ كمِثلِ الموقعِ الذي تحدَّثتُ بأمْرِه في هذه المقالةِ ؛ بل هي نزِيهةٌ ومُنظَّمة.


الثلاثاء، 14 فبراير 2012

سحابة في الحُبِّ



 يَنشُدُ الإنسانُ في حَداثةِ شَبابِه حَبيبًا ويَسعَى لأنْ يَنالَه على حسبِ ما تمنَّاه وتصوَّرَه ، وتلكَ مُراهقةٌ خادِعَةٌ ، وكلما كَبِرَ قلَّتْ عِنايتُه بما يَتخَيَّلُ وأضْحَى لا يَشترطُ شرْطًا قبْلُ الهَوَى بل يشترطُ الشُّروطَ حِينَ يُحِسُّ مِن أحَدٍ حُبًّا ، والعَينُ مَجْلبةٌ للهوَى سَواءٌ أكان حَسَنَ العاقبةِ أم سيِّئَها ؛ فمِمَّا كثرةِ النظرِ يتخَبَّطُ الناظِرُ ويَحارُ ويُصادِفُ مَن ليس يَجمَعُه به وِفاقٌ ، وصَدَقَ عُمَرُ بنُ أبي ربيعةَ إذ قالَ :
إنَّ طرفي دلَّ الفؤادَ عليها   ففؤادي كالهائمِ المَقتولِ
وإذ ذاكَ يُصيبُه وَجَعٌ مِن كلِّ تعَلُّقٍ نشِبَ فيه ، ولا مَنجَى له قريبًا ولا بعيدًا ، وذلِكَ (مَجْنونُ ليلى) لم يَبرَحْ عنه هُيامُهِ ، وفي حالِهِ للعاقِلِ عِظةٌ وتَذكارٌ ، وهو يقولُ :
إذا رُمْتُ عنها سَلوةً قال شافعٌ   من الحُبِّ مِيعادُ السُّلوِّ المقابرُ
(شهد برمدا) بديعةُ الصوتِ وذاتُ وَجْهٍ فيه طفولةٌ ودُمُوثةٌ ، وأغنيتُها المَغروزةُ في أعلى التدوينةِ مِن الأدِلةِ على ذلكَ ، وهي تكشِفُ عن جَلَدٍ وبَسالةٍ في قطعِ وِصالِ المَحبوبِ ذِي الإساءةِ.

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

النَّدَى أم السيفُ ؟

رُبَّما يكون على أحدِنا إذا رأى إنسانًا على خطإٍ أن يُرشِدَه ، خصوصًا مَن كان بيننا وبينه قرابةٌ أو صداقةٌ أو زوجيةٌ أو جِوارٌ أو نحوُ ذلك ؛ فلا ندري أتكون القساوةُ أنفعُ له أم اللطافةُ ؟! وكثيرًا نغترُّ – نحن الرِّجالَ - فنحسِبُ العَنافةَ خصلةً مَحمودةً لا بدَّ أن تـُرَى فينا على كلِّ حالٍ وإلاّ أصبحنا مَرمًى للسخريةِ مِن كلِّ ناحيةٍ .
والأيامُ تخبرُنا أنَّ الأحوالَ مُختلِفةٌ ، وذاك المتنبي
يقولُ :
ووَضْعُ النَّدَى في مَوضِعِ السَّيفِ ، بالعُلَى 
مُضِرٌّ ، كوَضْعِ السَّيفِ في مَوضِعِ النَّدَى
النَّدَى هُنا هو السَّخاءُ والجُودُ ، ومعنى البيتِ : إذا وُضِعَ السَّخاءُ في مَوضِعِ العِقابِ و العِقابُ في مَوضِعِ السَّخاءِ كان ذلك مُضِرًّا بالرِّفعة والمَجدِ.
والأيامُ تخبرُنا أحيانًا ، أنَّ في لِينِ الجانِبِ حَضًّا للمُخطِئِ على أنْ يَنتهِي عن خطئه ، ولو كان حَرِيًّا بالفظاظةِ.



السبت، 20 أغسطس 2011

هل لك في رِحلةٍ ؟

ما على الأرضِ مَكانٌ يُغادِرُهُ المسلِمُ ولو نفِدَ مالُهُ وكلَّ جسْمُه فيه ثمَّ يَتوقُ فؤادُهُ للرُّجوعِ إليهِ كمَكةَ المُكرمةِ والمَدينةِ المنورةِ ، فالسَّفرُ إليهما باهِظُ الثمَنِ ، والحَرُّ حَولَ مَسْجِدَيهما شديدٌ أحيانًا ، وأينما تُوَلِّ فهُنالِكَ زِحامٌ مُزعِجٌ ، ويَنشأُ عن ذَينِكَ عطشٌ وتعَبٌ ناهِكانِ،،،.
على أنَّ الوافِدَ عليهما -مُعتمِرًا أو حاجًّا- يَنسَى مَشَقّتَه مِنهما مهما تكن ، بل يُنفِقُ جُلَّ مالِهِ كيما يَأتِيَهما الحِنيةَ بعدَ الحِينةِ فيَثلجَ صَدْرُه بجِوارِ المَسجدِ الحرامِ ومَسجدِ الرسولِ الأكرمِ (ص) ، يُدهِشُهُ البُنيانُ وزِينةُ السَّقفِ وجودةُ البُسُطِ والجُدرانُ ، وحيثما يَمْشِ أو يقعُدْ يَرَ أوعيةَ زَمْزَمَ مُعَلَّقًا عليها أقداحٌ بيضٌ جديدةٌ يُشْرَبُ بها مرَّةً واحدةً فتُرْمَى ،،، ونِعْمَ عَمَلاً أنْ يُصَلِّيَ فرْضًا أو نفلاً فيَقرأَ القرآنَ الكريمَ ثمَّ يَتضَرَّعَ إلى بارِئهِ ثمَّ يَرتوِيَ بماءِ زَمْزَمَ فيَنهَضَ إلى تجْوالِهِ في النواحِي والعَرَصاتِ ،،، وما كان أبْهَى مَنظرَ امرأةٍ مُؤمِنةٍ رأيتُها ذاتَ عُمْرَةٍ في الحَرَمِ المَكِيِّ جالِسةً تتنظَّرُ الكعبةَ ، وعيناها ترْنوانِ إليها وتذرِفانِ دَمْعَ الوَجْدِ والخُشُوعِ .
ولعَمْرُ اللهِ إنْ هي إلاّ دَعْوَةُ أبي الأنبياءِ " الخَليلُ " الذي قال ربُّنا على لِسانِهِ في سورةِ إبراهيمَ في الآيةِ السابعةِ والثلاثينَ {ربَّنا إنِّي أسْكنتُ مِن ذرِّيتِي بوادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ، ربَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفئدةً مِن الناسِ تهْوِي إليهم ...}،،، قال الشريفُ الرضي : "وهذه مِن مَحاسِنِ الاستعارةِ ، وحقيقةُ الهُوِيِّ : النزولُ من عُلو إلى انخفاضٍ كالهُبوطِ ،،، والمرادُ تُسْرِعُ اليهم- أي الأفئدة- شوقًا وتطِيرُ إليهم حُبًّا". (صفوة التفاسير للصابوني).


الكذِبُ رذيلةٌ ، وتشتدُّ فيمَن كان قائدًا للعَمَلِ الصالحِ ، ومنهم أصحابُ حَمَلاتِ الحجِّ والعُمرةِ ، هاكـُمْ حِكايةً عنهم حكاها منذ أسابيعَ قريبٌ لي ، فقال : وَعَدَنا عَرِيفُ حَمْلتِنا بأن يَجْعَلَ سَفرَنا بالطائرةِ ذهابًا وإيابًا من بغدادَ إلى جدةَ ، فلا صَدَقَ ولا أوْفى ، ولكن كظَّنا في حافلةٍ وزَحَفَ بنا إلى دمشقَ فاحتبسْنا فيها خمسةَ أيامٍ نرتقِبُ حَجْزَ طائرةٍ إلى جدةَ ، فلمّا أنْ هَبطنا عليها نفرْنا مِن فورِنا إلى المدينةِ المنورةِ فهَدَأنا فيها أربعةَ أيامٍ ، ثمَّ رُحْنا إلى مكةَ بحافلةٍ لا بارِدةٍ ولا واسِعةٍ ، فوصلنا والتعَبُ يَمُضُّنا مَضًّا وأجسادُنا تنضَحُ بالعَرَقِ ، حتى إني أقسمْتُ باللهِ جَهْدَ يَمِيني : ما تكونُ لي عَودَةٌ لِعُمْرةٍ ولا لِشيءٍ أبَدَ الدَهْرِ ،،، فعَكفنا بمكةَ ثمانِيَ ليالٍ بفُندقٍ ناقِصِ الخدمةِ ، بل الماءُ قُطِعَ عنّا ساعةً فتذكرنا حالَ العراقِ ، فلمّا انقضتْ أيامُ الإقامةِ المَضْروبةُ لنا عُدْنا إلى مَطارِ جدةَ ، فانتهَينا إليه بالليلِ في الثانيةَ عشرةَ وعشرِ دقائقَ ، لِنقفلَ إلى دمشقَ بالطائرةِ ، وقبل قفُولِنا وقعَ لنا ما لم نكن نحتسِبُ ، لقد رَفرَفتْ طائرتُنا في الواحدةِ إلا ثلثًا ونحنُ جُلوسٌ نتظِرُ أوانَ رُكوبنا فيها ، ذلك بأنَّ عَريفَ الحملةِ أخطأ في قراءةِ مَوعِدِ الإقلاعِ فظنَّ أنه في الرابعةِ وعشرينَ دقيقةً ، ولم يُعِدِ النظرَ إلى التذاكِرِ إلا بُعَيدَ أن تركتنا الطائرةُ ،،، ففزِعْنا - نحنُ المُعتمِرِينَ- وهاجَ هائجُنا وهَدَّدْنا العريفَ قائلين له : لنشْكُوَنَّكَ إلى المَسئُولين ها هُنا ، ولنُبْلِغَنَّ قنواتِ التلفزةِ والإذاعةِ والصُّحُفَ ، أو لتَجْعَلَنَّ لنا مَخرَجًا مِمَّا رميتنا فيه ؛ فلم يُبالِ وقامَ يُخادِعُنا ساعاتٍ أربعًا أو خمْسًا حتى مَطلعِ الفجْرِ ، ثمَّ لمْلمَنا إلى الحافلةِ وغدا بنا إلى مكةَ ، فأسْكننا فندقًا غيرَ الذي أسكننا إيّاهُ مِن قبلُ ، وأمَرَنا بأنْ نكونَ قرِيبًا منه ، فمَتى أرادنا لا يَتعَذَّرْ عليه جَمْعُنا ، ولم نستطِعُ ذهابًا إلى الحَرَمِ إذ بيننا وبينه ألفا مترٍ ، مِنّا مَن نفِدَتْ أموالُهم ؛ ما لهم صادِرٌ ولا وارِدٌ فلاذُوا إلى خَيمةِ تفطِيرٍ لدَى جامعٍ تجاهَ فندقِنا ،، وهكذا حالُنا في أيّامٍ أربعةٍ حتى جاءَ خبرُ الحَجْزِ إلى دمشقَ ...
سألتُ قريبي هَذاكَ : هل لكَ في رِحْلةِ عُمْرَةٍ بعدَ الذي دَهاكَ وعَناكَ ؟! فتبسَّمَ وقال : إي ،، وإني لعازِمٌ على الحَجِّ أيضًا..

الثلاثاء، 31 مايو 2011

لُغَوِيَّاتٌ مِن محي الدين بنِ عبدِ الحميد

هُنا مَسألتانِ في اللغةِ كنتُ حَيْرانَ فيهما ما أعرِفُ للصَّوابِ سَبيلاً حتى قرأتُ حاشيةَ العلاّمةِ مُحَمَّدِ بنِ محي الدينِ بنِ عبدِ الحميدِ –رحمه اللهُ- فأفدتُهما ، ومِن دُونِهما جَمٌّ من المَسائلِ ضَمَّتها تِيكَ الحاشيةُ النفِيسةُ .
فأمَّا إحدى المَسألتَيْنِ فإدخالُ (أنَّ ومَعمولَيها : اسمَها وخَبَرَها ) على الفِعلِ الماضي (هَبْ) ؛ كأنْ أقولَ –مثلاً- : هَبْ أنَّ زيدًا مُسافِرٌ ، فعَلِمْتُ أنَّ ذلك جائزٌ ، وكنتُ أظنُّ (هَبْ) يدخلُ على مَفعُولَينِ صَرِيحَيْنِ فقط ؛ فأقولُ : هَبْ زيدًا مُسافِرًا .
و(هَبْ): فِعلُ أمْرٍ وهو مِن (أخواتِ ظنَّ) التي تنصبُ مَفعولَيْن أصْلُهما مبتدأٌ وخبرٌ ومَعناه : احسُبْ واعدُدْ ، تقولُ – مثلاً- ( هَبْ عَمْرًا عالِمًا) :
أي : احسُبْه واعدُدْه كذلك ، ولا يُستعملُ منه ماضٍ ولا مُضارعٌ في هذا المعنى.
قال العلامةُ (محي الدين) بعدما شرحَ بيتَ (ابنِ همامٍ السلوليِّ) الذي أورده (ابنُ عقيلٍ) في شرحِه (لألفية ابن مالكٍ) في بابِ (ظنَّ وأخواتها) وهو:
فقلتُ أجِرْني أبا مالكٍ وإلا فهَبْني امرأً هالِكا .
قال العلامةُ (عبدُ الحميدِ):
{واعلمْ أيضًا أنَّ الغالبَ على (هَبْ) أنْ يتعدَّى إلى مَفعولينِ صريحَينِ كما في البيتِ الشاهدِ ، وقد يدخلُ على (أنَّ) المُؤكدةِ ومَعموليها ، فزَعَمَ ابنُ سيده والجرمي أنه لَحْنٌ –أي خطأ- ، وقال الأثباتُ من العلماءِ المحققين : ليس لَحْنًا ، لأنه واقعٌ في فصيحِ العربيةِ . وقد رُوِيَ من حديثِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ-رض- " هَبْ أنَّ أبانا ..."،، وهو – مع فصاحتِه- قليلٌ }.
وأمَّا المَسألةُ الأخرَى فترخيمُ غيرِ المُنادَى ضَرُورةً في الشِّعرِ ، وحِينَ كتبتُ قصيدةَ (آمِنْ بعقلِك) ختمتُها بترخيمِ غيرِ المنادَى فقلتُ :
إنَّ السلامة َ لا تكونُ لِمُبْحِرٍ ترَكَ السَّفِينَ تقودُها حِيتانُ.
فرخَّمتُ (السفينة) ، فلمَّا أسمَعتُ البيتَ أُستاذَيْنِ هما أعلمُ بالشعرِ مِني أنكرا عليَّ ما صنعتُ ، فلم آخُذ بقولِهما ؛ إذ خُيِّلَ إليَّ أنَّ ضروراتِ الشعرِ تسَعُ ترخيمَ غيرِ المنادى ،،، ذلك وفي كلمةِ ( السَّفِين) وجهٌ آخَرُ مَرضِيٌّ في الوزنِ والمعنى وهو كونُها جَمْعَ سَفِينةٍ ؛ فالسفينةُ تُجمَعُ على سُفُن وسفائن وسَفِين ،،، ثمَّ قرأتُ حاشيةَ العلامةِ ( محي الدين) في بابِ (الترخيم) فوجدتُه يقولُ:" وفي الشعرِ العربيِّ حذفُ بعضِ الكلمةِ بكلِّ حالٍ ، وإنْ لم تكن صالِحةً للنداءِ ؛ للضرورةِ ، كحذفِ بعضِ الضميرِ وبعضِ الحرفِ وبعضِ الاسمِ المقرونِ بأل ، وكلُّ هذه الأنواعِ لا تصلحُ للنداءِ ، فمِن ذلك قولُ لبيدِ بنِ ربيعة:
دَرَسَ المَنا بمُتالِعٍ فأبانِ فتقادمتْ ، فالحَبسِ فالسُّوبانِ
أرادَ "دَرَسَ المَنازِل " فحذف حرفينِ من الكلمةِ ......
ومنه قولُ النجاشيِّ :
فلستُ بآتِيهِ ولا أستطيعُهُ ولاكِ اسقِني إنْ كانَ ماؤكَ ذا فضْلِ.
فحَذَفَ النونَ مِن "ولكنْ " لاجتماعِ الساكنينِ ضرورةً لِيستقيمَ له
الوزنُ ....
ومِثلُ ذلك كثيرٌ في شِعرِ العربِ وهو-مع كثرتِه- بابٌ لا يحتمِله إلا الشعرُ ...".}.
لقد صدقَ العلامةُ محي الدين –رحمه اللهُ- عندما قالَ في خاتمةِ حاشيتِه على ألفية ابن مالكٍ {" قد تلاقت في هذا الكتابِ كتبٌ فأغنى عنها
جميعًا في حين أنه لا يُغني عنه شيءٌ منها"} . ذلك بأني قرأتُ شرحَ (ألفيةِ ابنِ مالكٍ) أربعَ مِرارٍ بل خَمْسًا أو أكثرَ فما ظفرْتُ بما يدفعُ جَهلي بِعُبابِه ؛ فأمَمْتُ سِواه مِن كتبِ النحوِ القديمةِ والحديثةِ فلم أجد كِفايتي في واحِدٍ منها ، ولا يزالُ الإنسانُ طالِبًا رَكوبَ العِلمِ ورُكوبَه حتى يُلحَدَ في رَمْسِه أو يُرْمَسَ في لَحْدِه.

الاثنين، 18 أبريل 2011

إيفان الدراجي ؛ ريحانة الأطلالِ

بينما كنتُ جالِسًا الأحَدَ الماضي أشاهدُ ( أهل المدينة) في (الشرقية) إذ أهلَّتْ فِقرةُ مَعرِضٍ تشكيلي بالبصرةِ ولم أدرِ لِمَن هو ،،، وما إنْ رأيتُ اللوحاتِ الثلاثَ الأُوَلَ حتى خَطرَ ببالي تشابُهٌ بينها وبين لوحاتِ الفنانةِ (إيفان الدراجي) لشِدَّةِ الشَّبَهِ بينهما ؛ ثم ثبتتْ فِراستي لمـَّا كُتِبَ اسمُها على الشاشةِ ومعه عنوانُ مَعرِضِها وهو « الحواسُّ »،،، حقًّا لِرِيشةِ ( إيفان) آثارٌ تدلُّ عليها ، لم يكن على شُخوصِ رُسُومِها دلائلُ لجماعةٍ أو بَلدةٍ ، بل لوحاتُها النسويةُ جمعاءُ تخلو من كلِّ شيءٍ يُفرِّقُ البَشَرَ ، وتلك فضيلةٌ صعبةُ المَنالِ يطلبُها كلُّ عراقيٍّ سَئمَ من الحالِ التي انتهَى إليها العراقُ في هذي الحقبةِ الشاقَّةِ ،،، كان حديثُها المُتلفزُ -على قِصَرِه- وافِيًا لِجَلاءِ بعضِ المعاني والفِكَرِ التي مازجت الألوانَ ، وكاشفًا عن اعتدالٍ في شخصيتِها لا يَحوزُه إنسانٌ إلا انطلقَ مِن ضيقِ الأكواخِ إلى رحابةِ الأفضِيةِ.، الأفضِية : جَمْعُ فضاءٍ. وفي خِتامِ حديثِها أقرَّتْ بضَرورةِ التشارُكِ المَتِينِ بين الرجلِ والمرأةِ ؛ فهما الأخَوانِ والصديقانِ والحبيبانِ والزوجانِ ولا يستغني أحدُهما عن الآخر. فليُبارِكِ اللهُُ في ( إيفان) ويحفظها ويَنشُرْ رَياحِينَ فَنِّها الرَّائقِ في أطلالِ بلادنا الثكلى.
رابطا مدونتَي الفنانة المتوهجة(إيفان الدراجي)




الاثنين، 21 مارس 2011

متى أراكِ

لا أستيقِظ على شيءٍ أحلى عندي من رُؤيةِ أمِّي ،
فحينئذٍ أرتاحُ وأتفاءلُ وتطمئنُّ نفسي ،
أذكرُ لأمِّي مِن الفضلِ أشياءَ كثيرةً ،
أوَّلها أنها أسمتني باسمي،،،
وثاينها أنها رافقتني في عَمَلِيتين جراحِيتين أُجْرِيتا لي في صِبايَ ،
فكانت شديدةَ الحنانِ كثيرةَ الرِّعايةِ ،
عامِي هذا أوَّلُ عامٍ يَمُرُّ عيدُ الأمِّ عليَّ ولا أراها فيه ،،،

والحديثُ عن فضلِها لا يُكتبُ إلا القليلُ منه ،،،

http://www.youtube.com/watch?v=tifxcb3rtM4&feature=related

الجمعة، 11 مارس 2011

يَومٌ آتٍ


لا شيءَ يتعظ به الإنسانُ كاستذكار يومِ القيامةِ ؛ لِما فيه من أهوالٍ عِظامٍ يَشيبُ لها الوِلدانُ وما يتبعُه مِن نعيمٍ للمُحسنين وعذابٍ للفاسدين؛ فإذا تذكر المرءُ ذلك ارتدع وأقلعَ عن الظلمِ لنفسِه ولغيرِه واندفع يعملُ الصالِحاتِ لينجو من العقاب ،،،
وإنَّ أجْدَرَ الناسِ بالاتعاظ هم المسئولون عن جماعةٍ مهما كان عَدَدُها ، لأنهم سوف يُحاسبون حسابًا دقيقًا وثقيلاً على كلِّ صغيرة وكبيرةٍ ،
زَلزالُ اليابانِ اليومَ كان حافزًا لي إلى استحضارِ مَشاهِدِ القيامةِ ؛ إذ رأيتُ الأرضَ تضطربُ والبحرَ يفيضُ ماؤه فيَغمُرُ الأحياءَ ويقتلِعُ البناياتِ ، والناسُ هنالك في رُعبٍ وانزعاجٍ ،،،
صدق اللهُ القائلُ في كتابه العزيز
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ
(14)

http://www.youtube.com/watch?v=RmCWEHJC4YU

الثلاثاء، 1 مارس 2011

دواءٌ ناجعٌ

مضَت أشهُرٌ ثلاثةٌ تبدَّلت فيها أمورٌ لم يَظنَّ أحَدٌ مِن قبلُ أنها تتبدلُ يومًا ، ولذلك كنتُ أُتابعُ الأحداثَ بكثرةٍ ، وهي مَملوءةٌ بالمصائبِ وإنْ كان آخِرُها خيرًا ، فأصابني شيءٌ من الاكتئابِ يُشبُه ما كان ينتابُني في الأعوام الثمانِية مِن ألَمِ النفسِ وحُزنِها على ما يَجري بالعراقِ ،
فأزمَعتُ منذ بدايةِ هذا الأسبوعِ ألا أُتابعَ نشَراتِ الأخبارِ إلا خمسَ دقائقَ صباحًا وأخرَى ليلاً ؛ لعلَّ الاكتئابَ يَزولُ عني ،،، وبعد يومٍ واحدٍ أحسستُ بجَدوَى ما فعلتُ ،،،